16

Dec

اتفاقية الجزائر: خروقات إرتريا تُسقط دفاعها القانوني

يظل النزاع الحدودي بين إثيوبيا وإرتريا، المتجذر في ترتيبات تاريخية واستعمارية وما بعد الانفصال، من القضايا الجوهرية في القرن الأفريقي. وتعود جذوره إلى المعاهدات الموقعة بين إثيوبيا وإيطاليا بين عامي 1889 و1908، والتي حددت مناطق النفوذ ورسمت الحدود الاستعمارية. غير أن هذه المعاهدات أُلغيت فعليًا عقب الغزو الإيطالي لإثيوبيا عامي 1896 و1935، ثم طرد إيطاليا عام 1941 من قلب الدولة الإثيوبية وأطرافها، بما في ذلك إقليم إرتريا. وفي عام 1952، فُرض الاتحاد الفيدرالي بين إرتريا وإثيوبيا بقرار من الأمم المتحدة، قبل أن تُضم إرتريا نهائيًا إلى إثيوبيا عام 1962، مع منحها وضعًا إداريًا خاصًا لكنها بقيت جزءًا من الإمبراطورية. وعندما نالت إرتريا استقلالها القانوني عام 1993 بانفصالها عن إثيوبيا، ضمّت الدولة الجديدة أراضي كانت سابقًا تحت السيادة الإثيوبية، مما خلق وضعًا فريدًا أصبحت فيه مفاوضات الحدود بين دولة ذات سيادة سابقة ودولة نشأت من أراضيها.

اندلعت حرب إثيوبيا–إرتريا (1998–2000) نتيجة خلافات حول هذه الحدود الغامضة تاريخيًا وإداريًا، لا سيما حول بلدة بادمي. واستجابة لذلك، أنهت اتفاقية الجزائر لعام 2000 الأعمال العدائية رسميًا، وأنشأت لجنتين مستقلتين. كُلّفت لجنة ترسيم الحدود بين إرتريا وإثيوبيا (EEBC) بتحديد وترسيم الحدود الدولية استنادًا إلى المعاهدات الاستعمارية وقواعد القانون الدولي المعاصر. وكان تفويضها إقليميًا بحتًا، حيث قدمت إحداثيات وخرائط ملزمة قانونيًا لتحديد السيادة على الأرض.

وبالتوازي مع ذلك، أُنشئت لجنة المطالبات بين إرتريا وإثيوبيا (EECC) للفصل في المطالبات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي خلال الحرب، بما في ذلك التعويض عن مقتل المدنيين وإصابتهم، والعمل القسري، والعنف الجنسي، والنهب، وتدمير الممتلكات، وسوء معاملة أسرى الحرب. فبينما حددت لجنة الحدود من يملك أي أرض، قامت لجنة المطالبات بتقدير الأضرار، موفرة إطارًا قانونيًا ملزمًا للمساءلة.

في حكمها الصادر عام 2002، منحت لجنة الحدود إرتريا بلدة بادمي (20 كم²) وبعض المناطق في القطاع الغربي، بما في ذلك أجزاء من ممر ستيت–مرب وأجزاء من إيروب الشمالية والغربية. كما منحت إثيوبيا زالامبسا (10 كم²) في القطاع الأوسط، وبوري في إقليم العفر/الدناكل، وقرى الحزام الغربي (40 كم²). وأشار القرار إلى تسميات إدارية محلية مثل “ناحية بادمي في الإقليم الشمالي الغربي” و“كِبِلي دمبي قدامو السابقة”، إلا أن هذه الإشارات كانت محدودة وجزئية، وزاد تعقيدها التغير الإداري اللاحق. كما تضمن القرار إحداثيات جغرافية محدودة وخرائط بمقاييس مختلفة، مع افتراض تنفيذ أعمال ميدانية لاحقة لوضع العلامات الحدودية. ولم تُذكر العديد من القرى الصغيرة والتجمعات السكانية صراحة، كما أدت التغيرات الإدارية عبر العقود إلى غموض عملي في تنفيذ القرار.

كما أخذ قرار لجنة الحدود بمبدأ الأوضاع الفعلية (effectivités)، أي الاعتراف بالإدارة الفعلية للأراضي المتنازع عليها. ففي مناطق مثل إسقاط إندلي أو منطقة بليسا–مونا قرب تسورونا وزالامبسا، تأثرت القرارات بالسيطرة الفعلية على الأرض، مما أدى إلى معاملة متفاوتة للتجمعات السكانية. وقد أدى غياب الترسيم المادي الكامل، إلى جانب الغموض الإداري والفعلي، إلى بقاء جزء كبير من الحدود القانونية دون تنفيذ، تاركًا المجتمعات المحلية في حالة فراغ قانوني وإداري.

وبالإضافة إلى ذلك، أصدرت لجنة المطالبات في حكمها الصادر في أغسطس 2009 قرارًا يقضي بمنح إثيوبيا تعويضات بنحو 174 مليون دولار عن مقتل المدنيين وإصابتهم، والعمل القسري، والاغتصاب والعنف الجنسي، والنهب، وسوء معاملة أسرى الحرب في مناطق إيروب، ودالول، وإليدار، وزالامبسا وغيرها. ولم تقتصر هذه التعويضات على انتهاكات قانون النزاعات المسلحة (jus in bello)، بل شملت أيضًا انتهاكات قانون اللجوء إلى القوة (jus ad bellum)، حيث خلصت اللجنة إلى أن إرتريا كانت الطرف المعتدي. غير أن الحكم تجاهل، بشكل غير عادل، مطالبات كبيرة تتعلق بالموانئ وخسائر الأعمال الخاصة. في المقابل، حصلت إرتريا على نحو 160 مليون دولار عن مطالبات مماثلة.

ورغم الطابع الملزم قانونيًا لهذه الأحكام، لم يُنفذ سوى جزء منها، وبقيت العديد من المطالبات دون تسوية. كما أن اعتماد لجنة الحدود على خرائط استعمارية وقدرات تقنية محدودة قيد التنفيذ العملي. ولم يكتمل الترسيم الميداني بوضع العلامات الحدودية، واستمرت الخلافات حول السيطرة الفعلية، خاصة في مناطق استراتيجية مثل بادمي وتسورونا وزالامبسا. وأدى الاعتماد على الإحداثيات بدلًا من الوحدات الإدارية المعاصرة إلى عدم تطابق بين الحدود القانونية والوُرَدات والكِبِلي الحديثة.

بعد عام 2018، اتخذت إثيوبيا خطوة سياسية مفصلية بإعلان استعدادها لقبول حكم لجنة الحدود، بما في ذلك منح أجزاء من منطقة بادمي لإرتريا. وقد فُهم هذا القرار على نطاق واسع باعتباره بادرة ضبط نفس استراتيجي وإشارة واضحة إلى التزام إثيوبيا بسلام دائم. غير أن هذا القبول كان مشروطًا بتوقع تفاعل متبادل، لا سيما استعداد إرتريا للدخول في مفاوضات بشأن ميناء عصب، ذي الأهمية الاستراتيجية للأمن الاقتصادي الإثيوبي والتكامل الإقليمي.

إلا أن إرتريا تصرفت بطريقة تتعارض جوهريًا مع روح اتفاقية الجزائر والتزاماتها. ففي أعقاب حرب تيغراي (2020–2022) وما نتج عنها من فراغ أمني، رسخت القوات الإرترية وجودها في عدة مناطق داخل الأراضي الإثيوبية المعترف بها دوليًا في شمال إقليم تيغراي، بما في ذلك مناطق في وحول إيروب، وغولومحدا، وعدي قوالا، وزالامبسا، ومناطق حدودية مجاورة ظلت خاضعة للإدارة الإثيوبية لفترة طويلة. ويُعد هذا الوجود العسكري المستمر خرقًا جوهريًا لاتفاقية الجزائر، التي يفترض هدفها وغرضها احترامًا متبادلًا للسلامة الإقليمية.

كما فاقم رفض إرتريا الانسحاب من المعاناة الإنسانية وانعدام الأمن في إقليم تيغراي، وزاد من النزوح وقيّد حركة المدنيين وقوض التعافي بعد النزاع. وزاد الوضع سوءًا بسبب تقويض جبهة تحرير شعب تيغراي المستمر لاتفاق بريتوريا للسلام، وتحالفها التكتيكي مع النظام الإرتري، في إشارة إلى استعدادها لتجديد المواجهة، في تناقض صارخ مع موقف الحكومة الفيدرالية الإثيوبية التي دعت باستمرار إلى التنفيذ الكامل لاتفاق بريتوريا، واحترام السيادة الإثيوبية، والانسحاب غير المشروط للقوات الإرترية من الأراضي الإثيوبية. ورغم أن إرتريا لم تكن طرفًا في اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، فإن وجودها العسكري المستمر يقوض تنفيذ الاتفاق ويكرس عدم الاستقرار الذي صُممت اتفاقية الجزائر لمعالجته.

وخلاصة القول، فإن إرتريا قوضت بشكل منهجي إطار التقارب الذي نشأ بعد 2018، مستغلة الفراغات السياسية والأمنية خلال سنوات الانتقال السياسي في إثيوبيا. وتراجعت عن التفاهمات المتفق عليها، وشجعت حركات تمرد بالوكالة، وشكلت تحالفات ثلاثية – بما في ذلك مع الصومال ومصر – لمنع وصول إثيوبيا إلى البحر في إطار مذكرة التفاهم مع أرض الصومال. كما تجاهلت إرتريا بشكل انتقائي أحكام لجنة المطالبات، واستندت إلى قرار لجنة الحدود لرفض المبادرة الإثيوبية للتفاوض بشأن الحقوق البحرية، رغم أن إثيوبيا لم تعتمد موقفًا رسميًا بشأن عصب. ويكشف ذلك إساءة إرتريا استخدام حكم لجنة الحدود خارج نطاقه الإقليمي المحدد.

لكن القضية الحاسمة اليوم هي الانتهاك الإرتري المستمر والمتعمد لاتفاقية الجزائر. فمنذ أكثر من ثلاث سنوات، ظلت القوات الإرترية متمركزة داخل الأراضي الإثيوبية المعترف بها دوليًا، محتلة مناطق في شمال تيغراي، رغم دعوات إثيوبيا المتكررة لخفض التصعيد والتطبيع والتعايش السلمي. وخلال هذه الفترة، مارست إثيوبيا ضبط نفس استثنائيًا، متجنبة الإجراءات الانتقامية، ومجددة التزامها بالسلام، ومتمسكة بإطار اتفاقية الجزائر كأساس قانوني لحل النزاعات. وعلى النقيض من ذلك، فإن استمرار الاحتلال الإرتري ورفض التطبيع العملي يقوض اتفاقية الجزائر نفسها كمرجعية دفاعية.

وعليه، لم يعد بوسع إرتريا – أو أي طرف آخر – الاستناد بشكل موثوق إلى اتفاقية الجزائر كدرع قانوني أو كمصدر لالتزامات أحادية الجانب على إثيوبيا وحدها. ووفقًا للمادة 60(3)(ب) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، يُعد الخرق الجوهري حاصلًا عندما ينتهك أحد الأطراف حكمًا أساسيًا لتحقيق هدف المعاهدة وغرضها. ويستوفي الوجود العسكري الإرتري المستمر على الأراضي الإثيوبية هذا المعيار بوضوح. كما تجيز المادة 62 من الاتفاقية إنهاء المعاهدة أو تعليقها عند حدوث تغيير جوهري غير متوقع في الظروف يغيّر جذريًا نطاق الالتزامات المتبقية. وقد تحولت إرتريا من طرف في اتفاق سلام إلى قوة احتلال بحكم الأمر الواقع، وهو ما يمثل مثل هذا التغيير الجوهري. ولا يسمح القانون الدولي لدولة بأن تستمر في التمتع بحماية معاهدة بينما تُفرغ التزاماتها من مضمونها بالقوة وتُقوض أطر السلام التي تمنح تلك المعاهدة معناها.

إن استراتيجية إرتريا القائمة على استدعاء القانون الدولي فقط عندما يخدم أهدافًا قسرية، ورفض التزاماتها المتبادلة، أفقدتها أي ادعاء بحسن النية القانونية. وبهذا، فقد اعتماد نخبها المستمر على اتفاقية الجزائر قيمته القانونية والأخلاقية. فلا يمكنهم الاحتماء بسلطة اتفاقية الجزائر بينما ينتهكون التزاماتها الأساسية علنًا. وفي حين يستند موقف إثيوبيا إلى قانون المعاهدات والممارسة الدولية ومبدأ حسن النية، فإن انهيار ذريعة الجزائر هو النتيجة القانونية الحتمية لسلوك إرتريا نفسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

RELATED

Posts